فخر الدين الرازي
187
تفسير الرازي
الدلالة بالعقل ، أما بيان أن العالم بالله يجب أن يخشاه ، فذلك لأن من لم يكن عالماً بالشيء استحال أن يكون خائفاً منه ، ثم إن العلم بالذات لا يكفي في الخوف ، بل لا بدّ له من العلم بأمور ثلاثة . منها : العلم بالقدرة ، لأن الملك عالم باطلاع رعيته على أفعاله القبيحة ، لكنه لا يخافهم لعلمه بأنهم لا يقدرون على دفعها . ومنها : العلم بكونه عالماً ، لأن السارق من مال السلطان يعلم قدرته ، ولكنه يعلم أنه غير عالم بسرقته فلا يخافه . ومنها العلم بكونه حكيماً . فإن المسخر عند السلطان عالم بكون السلطان قادراً على منعه عالماً بقبائح أفعاله ، لكنه يعلم أنه قد يرضى بما لا ينبغي فلا يحصل الخوف ؛ أما لو علم اطلاع السلطان على قبائح أفعاله وعلم قدرته على منعه وعلم أنه حكيم لا يرضى بشفاهته ؛ صارت هذه العلوم الثلاثة موجبة لحصول الخوف في قلبه ، فثبت أن خوف العبد من الله لا يحصل إلا إذا علم بكونه تعالى عالماً بجميع المعلومات ، قادراً على كل المقدورات ، غير راضٍ بالمنكرات والمحرمات ، فثبت أن الخوف من لوازم العلم بالله ، وإنما قلنا : أن الخوف سبب الفوز بالجنة ، وذلك لأنه إذا سنح للعبد لذة عاجلة وكانت تلك اللذة على خلاف أمر الله ، وفعل ذلك الشيء يكون مشتملاً على منفعة ومضرة ، فصريح العقل حاكم بترجيح الجانب الراجح على الجانب المرجوح ، فإذا علم بنور الإيمان أن اللذة العاجلة حقيرة في مقابلة الألم الآجل ، صار ذلك الإيمان سبباً لفراره عن تلك اللذة العاجلة ، وذلك هو الخشية ، وإذا صار تاركاً للمحظور فاعلاً للواجب كان من أهل الثواب ، فقد ثبت بالشواهد النقلية والعقلية أن العالم بالله خائف والخائف من أهل الجنة . وثانيها : أن ظاهر الآية يدل على أنه ليس للجنة أهل إلا العلماء ، وذلك لأن كلمة إنما للحصر ، فهذا يدل على أن خشية الله لا تحصل إلا للعلماء . والآية الثانية وهي قوله : * ( ذلك لمن خشي ربه ) * دالة على أن الجنة لأهل الخشية وكونها لأهل الخشية ينافي كونها لغيرهم ، فدل مجموع الآيتين على أنه ليس للجنة أهل إلا العلماء واعلم أن هذه الآية فيها تخويف شديد ، وذلك لأنه ثبت أن الخشية من الله تعالى من لوازم العلم بالله ، فعند عدم الخشية يلزم عدم العلم بالله ، وهذه الدقيقة تنبهك على أن العلم الذي هو سبب القرب من الله تعالى هو الذي يورث الخشية ، وأن أنواع المجادلات وإن دقت وغمضت إذا خلت عن إفادة الخشية كانت من العلم المذموم . وثالثها : قرىء * ( إنما يخشى اللّهُ من عباده العلماءَ ) * برفعه الأول ونصب الثاني ، ومعنى هذه القراءة : أنه تعالى لو جازت الخشية عليه ؛ لما خشي العلماء ، لأنهم هم الذين يميزون بين ما يجوز وبين ما لا يجوز . وأما الجاهل الذي لا يميز بين هذين البابين فأي مبالاة به وأي التفات إليه ، ففي هذه القراءة نهاية النصب للعلماء والتعظيم . الرابع : قوله تعالى : * ( وقل ربي زدني علماً ) * ( طه : 114 ) . وفيه أدل دليل على نفاسة العلم وعلو مرتبته وفرط محبة الله تعالى إياه ، حيث أمر نبيه بالازدياد منه خاصة دون غيره . وقال قتادة : لو اكتفى أحد من العلم لاكتفى نبي الله موسى عليه السلام ولم يقل * ( هل أتبعك على أن تعلمنّ